عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
420
اللباب في علوم الكتاب
« من » النصب بإضمار فعل ، وتقديره متأخرا والرفع على الابتداء ، وقد تقدم نظائر هذا . فصل في دفع شبهة للمعتزلة احتجّوا بهذه الآية الكريمة على أنّ فعل العبد مخلوق للّه تعالى ؛ لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم ، لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ؛ لأنها حاصلة للبهائم ، والمجانين ، والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكمة ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين : فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية ، والحسية ثابتا من غيرهم ، وبتقدير مقدّر من غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا اللّه تعالى بالاتفاق . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة أو القرآن ، أو قوة الفهم أو الخشية ، على ما قال الرّبيع بن أنس « 1 » ؟ فالجواب : إنّ الدليل الذي ثبت بالتواتر أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن ، بل هي مفسرة : إمّا بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين ، فالمقصود حاصل فإن حاولت حمل الإيتاء على التوفيق ، والإعانة ، والألطاف ، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين ، فقد فعل مثله في حق الكفّار ، مع أن هذا المدح العظيم لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الألطاف . قوله : « وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » وأصل « يذّكّر » : يتذكّر ، فأدغم . « وأولوا الألباب » ذوو العقول ، ومعناه : أن الإنسان إذا تأمّل ، وتدبر هذه الأشياء ، وعرف أنها لم تصل إلّا بإيتاء اللّه تعالى ، وتيسيره ، كان من أولي الألباب . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 270 ] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) قوله تعالى : « وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ » كقوله : ما نَنْسَخْ [ البقرة : 106 ] وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ [ البقرة : 197 ] وقد تقدّم . وأيضا تقدّم الكلام في مادة « نذر » في قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] ، إلّا أنّ النّذر له خصوصيّة : وهو عقد الإنسان ضميره على شيء ، يقال : نذر فهو ناذر ؛ قال عنترة : [ الكامل ] 1233 ب - الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما * والنّاذرين إذا لم القهما دمي « 2 »
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي . ( 2 ) ينظر : ديوانه ( 222 ) ، شرح القصائد العشر ( 377 ) ، العيني 2 / 551 ، الأشموني 2 / 246 ، التصريح 2 / 69 ، شرح شواهد الألفية 3 / 551 والمقاصد النحوية 3 / 551 ، والشعر والشعراء 1 / 259 . والأغاني 9 / 212 ، البحر 2 / 328 ، الدر المصون 1 / 649 .